حذر موقع "جيوبوليتيكال مونيتور" من أن الولايات المتحدة تخاطر في صراعها الحالي مع إيران بتكرار الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته إسرائيل في حرب الاستنزاف مع مصر، عقب حرب يونيو 1967.
وفيما يوصف الوضع الراهن بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز ومحيطه بأنه مواجهة محصورة: حوادث بحرية محدودة، وهجمات بالوكالة، ومفاوضات دورية، وردود فعل محسوبة، إلا أن الموقع اعتبر أن هذا التصوير قد يكون مضللاً، فما يحدث قد لا يكون مأزقًا مؤقتًا، بل المراحل الأولى لحرب استنزاف حديثة.
وقال: "إذا كان الأمر كذلك، فإنّ أنسب تشبيه تاريخي هو حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل، وليس حرب الدبابات في ثمانينيات القرن الماضي. بدأ الصراع كشكلٍ يمكن السيطرة عليه من العنف منخفض الحدة، لكن مع مرور الوقت، تحوّل إلى بيئة استراتيجية تُفيد الطرف الأقدر على استغلال الوقت والإرهاق واكتساب الخبرة العملياتية. في البداية، تعاملت إسرائيل مع الصراع كإزعاج تكتيكي يُمكن السيطرة عليه أساسًا من خلال التفوق العسكري. لكن في الواقع، كانت مصر تستخدم مرحلة الاستنزاف كوسيلة لإعادة صياغة مسرح العمليات لحرب مستقبلية".
وبحسب التقرير، فإن واشنطن تخاطر الآن بارتكاب الخطأ نفسه.
دروس من حرب الاستنزاف
وأوضح أنه خلال حرب الاستنزاف، أدركت مصر استحالة هزيمة إسرائيل بالأساليب التقليدية، لا سيما في أعقاب حرب الأيام الستة. لذا، اختارت نهجًا مختلفًا جذريًا. فبدلًا من السعي إلى معركة حاسمة، تبنت مصر استراتيجية ذات شقين: ممارسة ضغط مستمر عبر القصف والهجمات المفاجئة والإكراه السياسي، مع إرساء الأساس لتصعيد مستقبلي.
والأهم من ذلك- كما يشير التقرير- وسّعت مصر نطاق تغطيتها الصاروخية أرض-جو، السوفيتية الصنع، عبر قناة السويس خلال حرب الاستنزاف. ومع مرور الوقت، حدّ هذا التطور تدريجيًا من سيطرة إسرائيل الجوية، مُغيّرًا بذلك البيئة العملياتية.
وأشار إلى أن تداعيات هذا التحول كانت واضحة تمامًا خلال حرب أكتوبر عام 1973. في ذلك السياق، كانت حرب الاستنزاف بمثابة استعداد لحرب مستقبلية، وليست بديلاً عنها.
ولفت إلى أنه في المرحلة الراهنة، تعكس استراتيجية إيران بشكل متزايد منطقًا مماثلاً؛ إذ يبدو أن طهران تُدرك أن المواجهة التقليدية المباشرة مع الولايات المتحدة ستُكبّدها تكاليف باهظة لا تُطاق. لذا، تنتهج إيران حملة مُدروسة تهدف إلى كسب الوقت لتحسين موقفها استعدادًا لأي صراع مُحتمل، مع فرض ضغوط على خصمها.
وفقًا للتقرير، فإن سلسلة من الأنشطة في مضيق هرمز - من مضايقات بحرية، وحوادث طائرات مُسيّرة، وهجمات بالوكالة، وعمليات إلكترونية، وتبادل محدود للصواريخ - تخدم هذا الهدف الأوسع. والسبب في تزامن المفاوضات والمواجهة هو أنهما ليسا مُتناقضين، بل هما أداتان تُعززان بعضهما البعض ضمن استراتيجية طويلة الأمد.
ومن الجوانب الخطيرة بشكل خاص- كما يرصد التقرير- أن طهران ربما تكون قد بدأت بالفعل في تحقيق نجاح هيكلي، فعلى غرار مصر عام 1970، تستغل طهران مرحلة الاستنزاف لبناء بيئة عملياتية قد تقيد حرية الولايات المتحدة في أي صراع مستقبلي.
النسخة الحديثة من مصر في حرب الاستنزاف
وفقًا لهذا الاستنتاج، فإنه يمكن اعتبار شبكة إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية المتنامية بمثابة النسخة الحديثة من توسيع مصر لحزامها الصاروخي أرض-جو. فبدلاً من هزيمة الولايات المتحدة بشكل متكافئ، تعمل إيران تدريجيًا على بناء بنية حرمان موزعة تتمحور حول الطائرات المسيّرة، والصواريخ المضادة للسفن، وزوارق الهجوم السريع، والألغام البحرية، والقوات الوكيلة، وبنية إطلاق منتشرة .
وأوضح أن هذا التوسع لا يهدف إلى تحقيق الهيمنة البحرية بالمعنى التقليدي، بل إلى إحداث اضطراب مستمر وحالة من عدم اليقين، مما يُعقّد العمليات الأمريكية، ويزيد من تكاليفها التشغيلية، ويُضعف قدرتها السياسية بمرور الوقت.
وفي الوقت ذاته، يتزايد احتمال وقوع الولايات المتحدة في دوامة من الإرهاق الاستراتيجي على غرار ما شهدته إسرائيل. إذ يرى التقرير أن جهود الولايات المتحدة - من خلال الحفاظ على مجموعات حاملات الطائرات الضاربة، ودوريات المدمرات، وعمليات الدفاع الجوي، والانتشار الإقليمي - لمواجهة الأنظمة الإيرانية منخفضة التكلفة نسبيًا، ستؤدي إلى زيادة التفاوت في التكاليف.
وتابع: "قد تُجبر طائرة إيرانية مسيّرة واحدة، تُكلّف عشرات آلاف الدولارات، على إطلاق صواريخ اعتراضية تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات. علاوة على ذلك، تُشكّل عمليات الانتشار المطوّلة عبئًا على دورات الصيانة، وجاهزية الأفراد، ومخزونات الذخيرة، لا سيما في وقتٍ يتعيّن فيه على واشنطن الاستعداد لأي طارئ محتمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مرتبط بالصين".
وقال التقرير إن هذا السياق الاستراتيجي الأوسع يُبيّن لماذا لم يعد بإمكان حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا، ولا سيما اليابان وكوريا الجنوبية، التعامل مع أمن مضيق هرمز كمسألة إقليمية ثانوية. فبالنسبة لكلا البلدين، يُمثّل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة، ويُعدّ الحفاظ عليه أمرًا بالغ الأهمية للاستقرار الاقتصادي في ظل أي طارئ أوسع نطاقًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومع ذلك، لا تزال مساهمات الحلفاء محدودة ومنفصلة عمليًا.
النموذج المصري في حرب 1973
واعتبر أن أخطر ما في الصراع الاستنزافي هو أنه غالبًا ما يبدو قابلاً للسيطرة حتى بعد تغيّر موازين القوى الاستراتيجية. وقد أدركت إسرائيل هذه الحقيقة متأخرةً. فبحلول عام 1973، كانت مصر قد غيّرت بالفعل البيئة الاستراتيجية عبر سنوات من التحضير التدريجي تحت ستار صراع محدود.
وقال: "اليوم، تواجه الولايات المتحدة خطرًا مماثلاً في مضيق هرمز. فما يبدو مناوشة محدودة قد يُمثل في الواقع المرحلة التمهيدية لحرب إقليمية مستقبلية. إذا استمرت واشنطن في التعامل مع الضغط الاستنزافي باعتباره احتكاكاً تكتيكيًا مؤقتًا، بدلاً من كونه تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد، فإنها تُخاطر بتوريث ساحة معركة أشد خطورة، حيث أمضت إيران سنوات في تهيئة الظروف للتصعيد، بينما لا تزال الولايات المتحدة مُنشغلة بإدارة الأزمات اليومية".
لذا، خلص التقرير إلى أن الدرس الجوهري لحرب الاستنزاف ليس تاريخيًا فحسب، بل هو ضروري من الناحية العملياتية. فمواجهة محدودة قد تُغير المشهد الاستراتيجي قبل أن تُعتبر حربًا رسميًا.
https://www.geopoliticalmonitor.com/washington-risks-repeating-israels-strategic-mistake-in-the-war-of-attrition/

